عمر فروخ
512
تاريخ الأدب العربي
والغرب وما بينهما ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان ، وآتي فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا . . . . . فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنّفه الإمام أبو جعفر الطبريّ ، إذ هو الكتاب المعوّل عند الكافّة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه . فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخلّ بترجمة واحدة منها . وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كلّ رواية منها مثل التي قبلها أو أقلّ منها ؛ وربّما زاد الشيء اليسير أو نقصه . فقصدت أتمّ الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كلّ شيء مكانه ، فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا . فلمّا فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبريّ ما ليس فيه . . . . . و ( قد ) ذكرت في كلّ سنة لكلّ حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصّها . فأمّا الحوادث الصغار التي لا يحتمل منها كلّ شيء ترجمة فإنّني أفردتّ لجميعها ترجمة واحدة في آخر كلّ سنة . . . . . وذكرت في آخر كلّ سنة من توفّي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء . ثمّ إنّ نفرا من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خلّاني . . . رغبوا إليّ في أن يسمعوه منّي ليرووه عنّي ، فاعتذرت بالإعراض عنه وعدم الفراغ منه . . . . وطالت المراجعة مدّة ، وهم للطلب ملازمون وعن الإعراض معرضون . وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه . . . . فبينما الأمر كذلك إذ برز أمر من طاعته فرض واجب واتّباع أمره حكم لازب « 1 » . . . . من أحيا المكارم وكانت أمواتا ، وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتا « 2 » . . . . الملك الرحيم المظفّر بدر الدين ركن الإسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين « 3 » . فحينئذ . . . . جعلت الفراغ ( منه ) أهمّ مطلب ؛ وإذا
--> ( 1 ) لازب : لاصق ، ثابت ، لازم . ( 2 ) الرفات : الحطام ( كل شيء إذا تهرأ وتفتت ) ، بقايا جثث الأموات : ( 3 ) هو أبو الفضائل بدر الدين لؤلؤ بن عبد اللّه الملقب بالملك الرحيم من بني زنكي ، ولد سنة 570 ه ( 1174 م ) . كان وزيرا للملك القاهر ناصر الدين محمود الذي تولى الموصل ( 616 - 631 ه ) ثم تولى الملك الرحيم نفسه حكم الموصل مدة طويلة من سنة 631 ه ( 1233 م ) إلى سنة 657 ه ( 1259 م ) . ولا ريب في أن الملك الرحيم استعجل ابن الأثير في اتمام كتابه حينما كان الملك الرحيم وزيرا .